نيسان (ابريل) 2018 العدد 207

  • 1 - 30 نيسان 2018

الافتتاحية

التخطيط الاقتصادي في البلدان العربية

 

لا ينحصر دور التخطيط الاقتصادي في احتساب معدلات النمو بل يتعداه إلى استشراف المستقبل. أي كيف يتصور المعنيون الوضع الاقتصادي والاجتماعي بعد مرور فترة زمنية معينة؟ وما هي العوائق التي تقف أمام تحقق هذه الرؤية؟ وفي ظل ذلك يتم تحديد الأهداف التي يجب أن تسعى الحكومة إلى تنفيذها حتى تتحقق الرؤية وترصد لها الموارد المالية والجهود اللازمة.

وقد يكون من الملائم أن نشير هنا إلى تجربة ماليزيا عندما أصبح مهاتير محمد رئيساً للوزراء عام 1981. وكان البلد فقيراً ومتخلفاً، 52 في المئة من الشعب تحت خط الفقر ومعدل الدخل الفردي لا يتجاوز 1200 دولار سنوياً. فوضع خطة أمامه استشرف فيها مستقبل ماليزيا بعد 20 سنة. وما إن انتهى حكمه حتى كان قد تأسس في ماليزيا 50 ألف مصنع في مجال الإلكترونيات والصناعة التحويلية، وانخفضت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 5 في المئة فقط وارتفع معدل الدخل الفردي إلى 5200 دولار وترك مخزوناً كبيراً من العملات الأجنبية لبلده.

وفي مقابل قصة النجاح هذه، هناك الكثير من الدول النامية التي ظلت تدور في حلقة مفرغة ليس فقط بسبب شح الموارد المالية كما يقال عادة، بل لعدم وجود رؤية واضحة لما تسعى إلى تحقيقه الحكومة، وكثرة الأهداف وتناقض نتائج السياسات المطبقة لتحقيق الأهداف.

ولا شك في أن التنمية الاقتصادية تظل القضية الأولى في العالم العربي، كما هي قضية كل المجتمعات في الدول النامية. إلا أن اختزال التنمية في الجانب المادي الاقتصادي، وإعطاء هذا الجانب الحظ الأكبر من الاهتمام والتركيز، يزيد من صعوبة تعزيز التنمية واستمراريتها بمفهومها الشامل، مما ينتج الكثير من الآثار السلبية.

وإذا كان العالم هو تاريخ اقتصادي، فإنه قبل كل شيء تاريخ إنساني أيضا. فكل ما يخطط له من تنمية اقتصادية لا بد أن يتزامن مع تنمية اجتماعية وتشريعية، وتقنية تواكب وتتعامل مع هذا التطور والنمو. وللإرادة السياسية في الدول العربية دور مهم في خلق البيئات المناسبة للتنمية المتكاملة وضمان استمراريتها، ولعل من أهم تلك البيئات بيئتين:

إحداهما: البيئة الاجتماعية والفكرية، ذلك أن العوامل الاجتماعية والفكرية والثقافة السائدة في بعض الدول العربية، تتدخل كثيرا في نجاح التنمية الاقتصادية أو فشلها. ومن مسببات الفشل، وجود بعض الأوبئة السياسية المعيقة والمتجذرة في المجتمع، بل وفي الفرد المسؤول، مما يتطلب العمل الدؤوب من قبل السياسي، لعدم السماح لتلك الأوبئة السياسية المعيقة، بأن تنتشر في جسم المجتمع والدولة وتؤثر على خططها لتحسين أداء الاقتصاد، وتحقيق التنمية المتكاملة، المعززة للاستقرار الأمني والفكري المتمثل في قيم الاعتدال والتسامح، المساندة لتلك الخطط التنموية.

ثانيهما: البيئة التقنية وتطبيقاتها، من خلال الإبداع في سياستها التنموية والربط بين الوظائف الحكومية التخطيطية والرؤية الاستراتيجية للتنمية. تلك الرؤية التي تركز على دور الإبداع التقني وتشجيع الدراسات العلمية، ذات الطابع التكنولوجي التطبيقي. وفي ظل غياب هذه الرؤية، تنظر بعض الدول العربية ومؤسساتها الإدارية إلى الاستثمار في مجال العلوم والتقنية، على أنه تكلفة إضافية وزيادة في الأعباء.

ومن يتأمل بعض الدول العربية خلال العقود الماضية يجدها حققت نموا اقتصاديا جيدا، لا يمكن أن ينكره أحد. إلا أن ذلك لم يمنع العديد من الأنظمة من أن تنهار في أيام معدودات، وذلك لأسباب عدة أهمها: غياب العدالة الاجتماعية.

لذا نحن في العالم العربي نجد أنه من الصعب تحديد ما إذا كانت التنمية الاقتصادية وحدها هي الحل للأوبئة السياسية التي تعانيها بعض مجتمعاتنا العربية، بعيدا عن علاج التذبذبات الفكرية والصراعات الطائفية والعرقية وضعف التنمية الاجتماعية وعدالتها والأداء البيروقراطي المعيق.

إن وجود القيادات السياسية المدركة لأهمية تلك البيئات وتأثيرها على مسار التنمية على رأس هرم الدولة، يعد أمرا في غاية الأهمية، لتتمكن دولنا العربية من تعزيز تقدمها التنموي من خلال سن القوانين والأنظمة الصارمة لبسط سيادة القانون، مصحوبة بإرادة سياسية حازمة في المتابعة والمحاسبة. هذا إذا أرادت دولنا العربية أن تنجح كثيرا في الحد من انتشار تلك الأوبئة السياسية القاتلة، لتتمكن من تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة!

 

إحصل على اشتراك سنوي في مجلة العمران العربي

اشترك الآن